
تُشير الأبحاث إلى أن العلاقة بين التشاؤم وطول العمر أو تقليل خطر العجز معقدة ومتنوعة، حيث لا يوجد إجماع علمي واحد. فبينما يرى البعض أن التفاؤل هو مفتاح الصحة والسعادة، تُظهر دراسات أخرى أن بعض أشكال التشاؤم، مثل التشاؤم الدفاعي أو التوقعات الواقعية لكبار السن، قد تحمل فوائد صحية وتساهم في حياة أطول وأكثر صحة.
فوائد التشاؤم الدفاعي في تحقيق الأهداف
يمثل التشاؤم الدفاعي استراتيجية يستخدمها الأشخاص الحذرون للتعامل مع قلقهم، حيث يضعون توقعات منخفضة لنتائج معينة، ثم يتخذون خطوات استباقية لضمان عدم حدوث السيناريوهات الأسوأ. على سبيل المثال، قد يتوقع شخص عدم الحصول على وظيفة بعد مقابلة عمل، مما يدفعه إلى التدرب جيدًا والوصول مبكرًا لضمان أفضل أداء ممكن.
لا تساعد هذه الطريقة في التفكير على تحقيق النجاح فحسب، بل يمكنها أيضًا أن تعزز الثقة بالنفس. فقد أظهرت دراسة تابعت طلابًا جامعيين أن المتشائمين الدفاعيين شهدوا مستويات أعلى بكثير من تقدير الذات على مدى أربع سنوات، لتصل تقريبًا إلى مستويات المتفائلين.
التوقعات الواقعية لكبار السن وطول العمر
توصلت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعات إرلانغن نورنبيرغ وهومبولت في برلين وزيورخ، بالتعاون مع المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية، إلى أن كبار السن الذين لا يحملون توقعات متفائلة بشكل مفرط للمستقبل يتمتعون بحياة أطول وصحة أفضل. شملت الدراسة ثلاث مجموعات عمرية على مدى عشرة أعوام، ووجدت أن 43% من كبار السن المشاركين لم يعربوا عن توقعات متفائلة.
ارتفع خطر المعاناة من المتاعب الصحية والوفاة بنسبة 10% لدى الأشخاص الذين بالغوا في تفاؤلهم وتأملهم للمستقبل. يُعزى ذلك إلى أن التوقعات التشاؤمية قد تدفع كبار السن للانتباه بشكل أفضل لحالتهم الصحية واتخاذ إجراءات وقائية، على عكس المتفائلين بشكل مفرط. بينما أظهر الشباب نظرة مستقبلية وردية وغير واقعية غالبًا، كانت الفئة العمرية المتوسطة هي الأكثر واقعية في تقييمها.
دور التفاؤل في إطالة العمر والوقاية من الأمراض
على النقيض، وجدت دراسة لجامعة هارفارد أن التفاؤل يمكن أن يُطيل عمر الفرد ويزيد من احتمالية بلوغه سن التسعين بشكل كبير. فقد عاشت النساء الأكثر تفاؤلاً بمعدل أطول بنسبة 54%، أي أكثر من أربع سنوات، مقارنة بأقرانهن الأكثر تشاؤمًا، مع فرصة أكبر بنسبة 10% للوصول إلى 90 عامًا.
اعتمدت هذه الدراسة على بيانات نحو 160 ألف امرأة من مبادرة صحة المرأة، وتمت متابعتهن لمدة 26 عامًا. كانت النتائج متشابهة بغض النظر عن العرق، مما يشير إلى أن التفاؤل عامل صحي إيجابي يعود بفوائد مماثلة عبر المجموعات السكانية. يعتقد خبراء جامعة جونز هوبكنز أن الأشخاص الذين يعيشون حياة مليئة بالقلق والإجهاد معرضون بشكل متزايد لخطر الإصابة بأمراض القلب المزمنة، مما يشير إلى أن التفاؤل قد يوفر حماية ضد هذه المخاطر.
التفاؤل كمهارة يمكن اكتسابها
يشير ميلاد حدشيتي، المدرب في علم النفس الإيجابي، إلى أن نظرة الفرد المتفائلة أو المتشائمة للحياة تتأثر بالعوامل الجينية وأسلوب التربية، لكن التفاؤل يظل مهارة قابلة للتعلم. فالإنسان بطبيعته يميل إلى الإقبال على الحياة والإيمان بقدراته، معتبرًا أن القادم أجمل.
يمكن اكتساب مهارة التفاؤل بتعديل نظرة الفرد وتحليله للحياة، حيث إن التشاؤم غالبًا ما يكون عادة يكتسبها الفرد من تجاربه اليومية. يرى المتفائل المشكلة محددة وقابلة للحل، بينما يراها المتشائم عامة ويشعر بالعجز عن حلها. ينصح بوضع المشاكل في حجمها الطبيعي وعدم إعطائها مساحة أكبر من اللازم للتأثير على الحياة، مع إدراك أن التفاؤل لا يعني غياب المشاكل، بل التعامل معها كفرص لتعزيز الخبرة والحكمة.
الفرق بين التشاؤم الدفاعي والقلق
يختلف التشاؤم الدفاعي عن القلق أو الاكتئاب في طريقة التعامل مع التوقعات السلبية. فبينما يميل الأشخاص القلقون أو المكتئبون إلى تجنب المشاكل المتوقعة، يستخدم المتشائمون الدفاعيون توقعاتهم السلبية كدافع لاتخاذ خطوات فعالة. هذا النهج يجعلهم يشعرون بالاستعداد والسيطرة على النتائج، مما يحول التفكير السلبي إلى أداة بناءة.