
يُعد جيش التيراكوتا، المعروف أيضًا باسم جيش المحاربين المصنوعين من الطين، أحد أعظم الاكتشافات الأثرية في العصر الحديث، ويقع عند سفح جبال ليشان شمال شرق مدينة شيآن الصينية. يمثل هذا المجمع الضخم تحت الأرض قبرًا للإمبراطور تشين شي هوانغ، أول إمبراطور للصين الموحدة، وقد بُني لحمايته في الحياة الآخرة، كاشفًا عن تفاصيل مذهلة حول الحياة والحرفية في الصين قبل 2200 عام.
الإمبراطور تشين شي هوانغ وتوحيد الصين
كان الإمبراطور تشين شي هوانغ شخصية محورية في تاريخ الصين، حيث حكم مملكة تشين منذ عام 246 قبل الميلاد. قاد حملة توحيد الممالك السبع المتحاربة، التي استمرت قرابة عشر سنوات، ليُعلن نفسه أول إمبراطور للصين الموحدة في عام 221 قبل الميلاد، واستمر حكمه حتى وفاته في عام 210 قبل الميلاد، ليبلغ إجمالي سنوات حكمه 36 عامًا. خلال فترة حكمه، عمل الإمبراطور على تطوير البلاد، وأكمل بناء سور الصين العظيم لحماية إمبراطوريته من هجمات القبائل الشمالية.
تسيطر فكرة الخلود والموت الوشيك على الإمبراطور تشين شي هوانغ، مما دفعه للبدء في بناء جيش التيراكوتا ومقبرته الضخمة. يُشاع أنه توفي نتيجة لشرب إكسير الحياة الذي تبين أنه يحتوي على الزئبق السام. لم تستمر سلالة تشين بعد وفاته سوى 15 عامًا، حيث خلفه وريث ضعيف، مما أدى إلى تفكك الإمبراطورية وظهور سلالة هان.
اكتشاف جيش التيراكوتا
ظل جيش التيراكوتا منسيًا لأكثر من ألفي عام، ولم يُذكر في كتابات المؤرخ سيما تشيان، الذي وصف قبر الإمبراطور الفخم بأنه قصر مجهز بنسخة مصغرة من الإمبراطورية بأكملها، يحتوي على أنهار وبحيرات مليئة بالزئبق. جاء الاكتشاف المذهل في أوائل عام 1974، عندما كان عدد من الفلاحين يحفرون بئرًا للمياه في مدينة شيآن الصينية، حيث اصطدم يانغ جيفا بشيء صلب.
بعد فترة وجيزة من هذا الاكتشاف، وصل الباحث في علم الآثار تشاو كانجمين إلى الموقع، وجمع القطع الجديدة مع أجزاء أخرى عُثر عليها سابقًا، ليتضح أنها أجزاء من تماثيل محاربين كاملين. انتشر الخبر بسرعة، وبدأت أول أعمال التنقيب الشاملة التي كشفت عن آلاف التماثيل، مما جعله أحد أعظم الاكتشافات الأثرية في التاريخ.
مجمع الضريح ومكوناته الفريدة
يُقدر أن مجمع الضريح يمتد على مساحة واسعة تتراوح بين 22 و38 ميلًا مربعًا، ويضم جيش التيراكوتا الذي يتكون من نحو 7000 إلى 8000 تمثال من الجنود بالحجم الطبيعي. بالإضافة إلى الجنود، يحتوي المجمع على 600 حصان من الطين، وعربات، و31 طائرًا وحيوانًا متنوعًا، وأكثر من 100 هيكل عظمي لبشر ماتوا أثناء البناء. كما كشفت المقبرة عن منحوتات لأفراد مدنيين مثل مسؤولين حكوميين وموسيقيين وبهلوانيين.
تصميم الحفر وتشكيلات الجيش
يتكون الموقع من أربع حفر رئيسية، حيث تتجه غالبية الجنود نحو الشرق باتجاه جبل لي، وهو معلم جغرافي مقدس، ربما كجبهة دفاعية ضد أي تمرد قادم من الشرق. الحفرة الأولى هي الأكبر، وتضم أحد عشر ممرًا، يحتوي كل منها على صفوف طويلة من جنود المشاة، يُقدر عددهم بنحو 6000 تمثال، موزعين على أربعة صفوف رئيسية، وتحاكي تصميم القصر الإمبراطوري.
تحتوي الحفرة الثانية على خيول وعربات، بالإضافة إلى وحدات من سلاح الفرسان والمشاة. أما الحفرة الثالثة، فتحوي تماثيل القادة من الضباط رفيعي المستوى، وتضم وحدة قيادة مكونة من 68 ضابطًا. كانت الحفرة الرابعة فارغة، مما يشير إلى توقف العمل فجأة عند وفاة الإمبراطور تشين شي هوانغ.
الأسلحة البرونزية وسر حفظها
عُثر في الحفر على نحو 40 ألف سلاح برونزي، بما في ذلك السيوف، ورؤوس الرماح، ورؤوس المطرد، ورؤوس الأسهم، والأقواس. ظلت هذه الأسلحة محفوظة بشكل ممتاز لأكثر من ألفي عام. كانت هناك فرضيات سابقة تشير إلى استخدام الصين القديمة لطلاء الكروم الواقي، وهي تقنية حديثة ظهرت في ألمانيا عام 1937 ثم في الولايات المتحدة عام 1950.
ومع ذلك، كشفت أبحاث دولية حديثة نُشرت في مجلة «نيتشر» عام 2019، بالتعاون بين الصين والمملكة المتحدة، أن خصائص التربة المحيطة بالأسلحة هي المسؤولة عن حفظها. تتميز تربة المقبرة برقم هيدروجيني قلوي معتدل، وحجم صغير لجزيئاتها، ومحتوى عضوي منخفض. كما أن التركيزات العالية للقصدير في المعدن البرونزي ساعدت في الحفاظ على الأسلحة. وأشار الباحثون، ومنهم ماركوس مارتينون توريس من جامعة كامبريدج، إلى أن آثار الكروم الموجودة غالبًا ما جاءت من طبقات الطلاء الواقية المطبقة على تماثيل المحاربين أو من عناصر عضوية متحللة مثل مقابض الأسلحة الخشبية والخيزرانية.
براعة التصنيع والحرفية الفنية
استغرق بناء الضريح نحو 36 عامًا من العمل المتواصل، وشارك فيه قوة عاملة تقدر بنحو 700 ألف عامل، من بينهم سجناء ومدينون، ونُقلت حوالي 30 ألف عائلة إلى العاصمة من أجل المشروع. أظهر تحليل الحمض النووي لبقايا العمال تنوعهم العرقي، مما يشير إلى أنهم يمثلون عينة من مختلف شعوب المملكة الصينية آنذاك. نُظمت فرق البناء في خلايا صغيرة، كل منها قادرة على بناء تماثيل كاملة بسرعة.
تقنيات البناء والمواد المستخدمة
يُعتقد أن الطين المستخدم في جيش التيراكوتا استُخرج بالكامل من مصادر محلية قريبة. صُنعت التماثيل يدويًا بالاعتماد على قوالب خاصة، وبأسلوب يعتمد على مبدأ «خطوط التجميع». كانت تُجمع عدة قوالب لتشكيل أجزاء الجسم المختلفة مثل الأرجل والذراعين والجذع والرأس، بينما كانت الرؤوس هي الأكثر تنوعًا. بعد خبز الطين، كانت التماثيل تُطلى بطبقات من الورنيش الشفاف أولًا، ثم تُرسم بألوان زاهية مثل الأخضر والأزرق والأحمر والأبيض، مع خدود وردية، لتبدو نابضة بالحياة.
تفاصيل الأفراد والملابس والأحذية
يتميز كل جندي من جنود الطين بملامح وجه فريدة، حيث أضاف الحرفيون تفاصيل شخصية مثل الحواجب والشوارب يدويًا، مما أضفى طابعًا فرديًا على كل محارب. يتناسب طول المحارب مع رتبته العسكرية، حيث يظهر القادة أكثر طولًا وهيبة. كانت ملابس المحاربين، وهي عبارة عن سترة قصيرة فوق بنطال فضفاض، مستوحاة من ملابس المحاربين الرحل خارج حدود الولايات الصينية.
أظهر الفحص الدقيق أن أزياء تشين، على الأقل في الجيش، كانت زاهية وفاقعة الألوان. على سبيل المثال، وُجد جنرال يرتدي معطفًا داخليًا طويلًا قرمزيًا، ومعطفًا خارجيًا أرجوانيًا داكنًا، وسروالًا أخضر ممزوجًا بالوردي. كما كشفت دراسة عن أحذية رماة السهام الجاثين عن نعال «الألف طبقة» المصنوعة من طبقات متعددة من أنسجة نبات الرامي، والتي كانت مرنة ومريحة وتوفر ثباتًا ومقاومة للانزلاق في الظروف الرطبة، مما يبرز براعة الحرفيين القدماء.
إرث جيش التيراكوتا وأسراره المستمرة
تعزز الاكتشافات فكرة أن جيش التيراكوتا صُمم على غرار أناس حقيقيين. فقد أظهرت دراسة فحصت آذان 30 تمثالًا وجود «تباين كبير» في الأشكال، بحيث «لا توجد أذنان متماثلتان تمامًا». كما وجد تحليل لملامح الوجه لـ 58 محاربًا و29 مجموعة عرقية صينية حديثة أن ملامح المحاربين تشبه إلى حد كبير الشعب الصيني المعاصر، خاصة في شمال وغرب الصين، مما يشير إلى أن التماثيل كانت مبنية على هيئة أشخاص حقيقيين، بما في ذلك محاربون من شعب الرونغ الذين قاتلوا مع تشين.
على الرغم من أن نحو ألفي محارب فقط قد تم التنقيب عنهم حتى الآن، إلا أن المزيد يُكتشف كل عام. لا يزال جزء كبير من مجمع الضريح غير مستكشف بسبب وجود العديد من المباني الحديثة فوقه. يمثل جيش التيراكوتا شهادة على قوة وثراء الإمبراطور تشين شي هوانغ، ويستمر في كشف أسرار جديدة عن الحياة والحرفية في الصين القديمة، مما يؤكد أن صانعي هذه التماثيل لم يكونوا مجرد عمال، بل فنانين أبدعوا أعمالهم بناءً على الواقع.
ملخص سريع
- جيش الطين اكتُشف عام 1974 قرب شيآن، وهو جزء من مجمع دفن الإمبراطور تشين شي هوانغ.
- يتكون الجيش من 8,000 جندي طيني فريد الملامح، بالإضافة إلى خيول وعربات.
- الإمبراطور تشين وحد الصين واشتهر بقسوته، وحشد 700,000 عامل لبناء مجمعه الجنائزي.
- أسلحة الجيش البرونزية محفوظة بشكل مدهش بفضل طلاء الكروم القديم.
- قبر الإمبراطور الرئيسي لم يُنقّب بعد بسبب مخاوف تتعلق بالزئبق وسلامة الموقع.